روّاد التعلم الآلي يحصدان جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2024
- فريق البروف للعلوم
- Oct 8, 2024
- 4 min read
Updated: Oct 9, 2024
كان جون هوبفيلد وجيفري هينتون رائدين في الأساليب الحسابية التي مكنت من تطوير الشبكات العصبية.
تم الإعلان عن الفائزين من قبل الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في ستوكهولم.
Credit: Jonathan Nackstrand/Agence France-Presse — Getty Images
حصل جون هوبفيلد وجيفري هينتون على جائزة نوبل في الفيزياء يوم الثلاثاء لاكتشافات ساعدت أجهزة الكمبيوتر على التعلم بشكل أكبر بالطريقة التي يتعلم بها الدماغ البشري، مما وفرت أبحاثهم اللبنات الأساسية للتطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، هذه الجائزة تُسلّط الضوء على التداخل المتزايد بين الفيزياء وعلوم الحاسوب، وتُبشّر بثورةٍ معرفيةٍ تُعيد تشكيل فهمنا للعقل البشري وآفاق التكنولوجيا.
في أعماق الشبكات العصبية
انطلق هوبفيلد وهينتون في رحلتهما العلمية من منطلقٍ فيزيائيّ، ساعَيْنِ إلى فهم كيفية عمل الدماغ البشري من خلال بناء نماذج رياضية تُحاكي الشبكات العصبية البيولوجية. قدّم هوبفيلد نموذجًا مبسطًا للشبكة العصبية، يُعرف باسم "شبكة هوبفيلد"، يتميّز بقدرته على تخزين واسترجاع المعلومات بطريقةٍ تُشبه الذاكرة البشرية، ووصفها على أنها قوى فيزيائية 1. ومن خلال تخزين الأنماط كحالة منخفضة الطاقة للشبكة، يمكن للنظام إعادة إنشاء النمط عند مطالبته بشيء مماثل، لأن الطريقة التي "تتذكر" بها الأشياء تشبه الدماغ الذي يحاول تذكر كلمة أو مفهوم بناءً على معلومات ذات صلة.
ركز هينتون، وهو عالم كومبيوتر، على تطوير خوارزميات التعلّم العميق، التي تُمكّن الآلات من التعلّم من البيانات واكتساب المعرفة بشكلٍ ذاتيّ، وذلك باستخدام مبادئ من الفيزياء الإحصائية، والتي تصف بشكل جماعي الأنظمة التي تحتوي على أجزاء كثيرة جدًا بحيث يصعب تتبعها بشكل فردي، لتطوير "شبكة هوبفيلد" بشكل أكبر. ومن خلال بناء الاحتمالات في نسخة طبقية من الشبكة، ابتكر أداة يمكنها التعرف على الصور وتصنيفها، أو إنشاء أمثلة جديدة من النوع الذي تم تدريبها عليه 2.
من الفيزياء النظرية إلى تطبيقاتٍ ثورية
لم تقتصر إسهامات هوبفيلد وهينتون على النطاق النظريّ، بل امتدّت لتُؤثّر بشكلٍ جذري على تطوّر التكنولوجيا الحديثة. فقد مهّدت أبحاثهما الطريق لتطوير العديد من التطبيقات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل:
معالجة اللغة الطبيعية: فهم وتحليل اللغات البشرية، مما أدّى إلى ظهور مساعدين افتراضيين مثل "سيري" و"أليكسا".
التعرّف على الصور: تمكين الآلات من "رؤية" وفهم الصور، مما يُستخدم في تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية.
القيادة الذاتية: تطوير السيارات ذاتية القيادة، التي تعتمد على خوارزميات التعلّم العميق لفهم محيطها واتخاذ القرارات.
كتب هينتون في مجلة Nature Neuroscience في عام 2000 أن الشبكات هي "نماذج مثالية تمامًا تختلف عن الشبكات العصبية البيولوجية الحقيقية مثل اختلاف التفاح عن الكواكب". لكنها أثبتت فائدتها وتم البناء عليها على نطاق واسع. تشكل الشبكات العصبية التي تحاكي التعلم البشري أساس العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، من نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) إلى خوارزميات التعلم الآلي القادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات، بما في ذلك نموذج التنبؤ ببنية البروتين AlphaFold.
قال الدكتور هينتون، الحائز على جائزة تورينج لعام 2018 والذي يُطلق عليه "عراب الذكاء الاصطناعي"، في مقابلة هاتفية مع صحيفة نيويورك تايمز: "إذا كانت هناك جائزة نوبل لعلوم الكمبيوتر، فمن الواضح أن عملنا سيكون أكثر ملاءمة لذلك. ولكن لا يوجد واحدة".
وفي حديثه لاحقًا عبر الهاتف عند الإعلان بفوزه بجائزة نوبل، قال هينتون إن معرفته بفوزه كانت بمثابة "صاعقة من السماء". وقال: "أنا مذهول، لم يكن لدي أي فكرة عن حدوث هذا". وأضاف أن التقدم في التعلم الآلي "سيكون له تأثير كبير، وسوف يكون قابلاً للمقارنة بالثورة الصناعية. ولكن بدلاً من تجاوز الناس في القوة البدنية، فإنه سيتجاوز الناس في القدرة الفكرية".
من الفيزياء إلى الذكاء الاصطناعي
يقول كارل جانسن، الفيزيائي في مختبر الإلكترون السنكروتروني الألماني (DESY) في زيوثين، والذي يصف العمل بأنه "مبتكر": "كان دافع هوبفيلد في الحقيقة هو الفيزياء، وقد اخترع هذا النموذج من الفيزياء لفهم مراحل معينة من المادة". ويضيف جانسن أنه بعد عقود من التطورات، أصبحت الشبكات العصبية أداة مهمة في تحليل البيانات من التجارب الفيزيائية وفهم أنواع التحولات الطورية التي شرع هوبفيلد في دراستها.
يقول يوشوا بينجيو، عالم الكمبيوتر الذي تقاسم جائزة تورينج لعام 2018 مع هينتون ورائد الشبكات العصبية يان ليكون، إن الفائزين "قدما أفكارًا بالغة الأهمية من الفيزياء إلى الذكاء الاصطناعي". لقد جعل العمل الرائد لهينتون وحماسه الملهم منه نموذجًا رائعًا لبينجيو وغيره من المؤيدين الأوائل للشبكات العصبية. يقول بينجيو، مدير معهد مونتريال لخوارزميات التعلم في كندا: "لقد ألهمتني بشكل لا يصدق عندما كنت مجرد طالب جامعي". إن العديد من علماء الكمبيوتر اعتبروا الشبكة العصبية غير مثمرة لعقود من الزمان وكانت نقطة التحول الرئيسية عندما استخدمها هينتون وآخرون للفوز بمسابقة رئيسية للتعرف على الصور في عام 2012.
نماذج اصطناعية في علم الأحياء
تخيّلوا معي دماغًا بشريًا، ذلك الكون المُعقّد الذي يحمل أسرارًا لا تُحصى. لطالما سعى العلماء لفهم خباياه، وكشف غموض آلياته المُدهشة. واليوم، بفضل روّاد الذكاء الاصطناعي أمثال هوبفيلد وهينتون، أصبح لدينا نماذجٌ تُحاكي هذا العضو المُعجز، ليس فقط لفهم كيفية عمل الذاكرة والتفكير، بل لتقديم أدواتٍ جديدةٍ تُساعدنا على فكّ شيفرة أعمق أسرار الدماغ.
ماي-بريت موزر، عالمة الأعصاب الحائزة على جائزة نوبل في الطب عام 2014، عبّرت عن سعادتها بفوز هوبفيلد وهينتون، مؤكدةً على أهمية نماذجهم في فهم كيفية تفاعل الخلايا العصبية في عمليات التذكّر والتوجيه المكاني. وتُشبّه موزر نموذج هوبفيلد بسطحٍ مُتعرّج، حيث تُمثّل الذكريات نقاطًا مُنخفضةً على هذا السطح، مما يُساعد الباحثين على تصوّر كيفية تثبيت واسترجاع الأفكار وحتى المخاوف في الدماغ. وتقول موزر: "أحب استخدام هذه الاستعارة عندما أتحدث إلى الأشخاص الذين يشعرون بأنهم عالقون في أفكارهم".
يقول موسر إن علم الأعصاب يعتمد اليوم على نظريات الشبكات وأدوات التعلم الآلي، والتي نشأت من عمل هوبفيلد وهينتون، لفهم ومعالجة البيانات على آلاف الخلايا في وقت واحد. "إنها بمثابة معجزة! لفهمنا أشياء لم نكن لنحلم بها حتى عندما بدأنا في هذا المجال".
تقول إيف ماردر، عالمة الأعصاب في جامعة برانديز في والتهام بولاية ماساتشوستس، "إن استخدام أدوات التعلم الآلي له تأثير لا يُحصى على تحليل البيانات وفهمنا المحتمل لكيفية حساب الدوائر الدماغية. لكن هذه التأثيرات تتضاءل مقارنة بالعديد من التأثيرات التي يخلفها التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية".
مراجع
1- Hopfield, J. J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 79, 2554–2558 (1982). PubMed
2- Fahlman, S. E., Hinton, G. E. & Sejnowski, T. J. In Proc. AAAI Conf. Artif. Intell. 3, 109–113 (AAAI, 1983). Available at https://cdn.aaai.org/AAAI/1983/AAAI83-087.pdf .